حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

547

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

المأمور به تاما كاملا كما قال وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ . واعلم أن الصوم مضاف إلى اللّه تعالى في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم حكاية عن اللّه تعالى « الصوم لي وأنا أجزي به » « 1 » والحج أيضا مضاف إليه تعالى في الآية وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وكما دل النقل على هذا الاختصاص فالعقل أيضا يدل على ذلك . أما الصوم فلأنه عبادة لا يطلع عليها إلا اللّه سبحانه وهو مع ذلك شاق على النفس جدا ، وأما الحج فلأنه عبادة لا يطلع العقل البتة على وجوه الحكمة فيها وهو مع ذلك شاق جدا لأنه يوجب مفارقة الأهل والولد ويقتضي التباعد عن أكثر اللذات والاستمتاعات ، فكل منهما لا يؤتى به إلا لمحض ابتغاء مرضاة اللّه تعالى . ثم إن هذا الصوم بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعا بين مشقتين ، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من مشقة إلى مشقة ، والأجر على قدر النصب ، فلا جرم وصفه اللّه تعالى بالكمال في باب العبادة والتنكير في اللفظ أيضا يؤيد ذلك زادنا اللّه اطلاعا على لطائف قرآنه العظيم ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اختلف العلماء في أن المشار إليه ما ذا ؟ فقال أبو حنيفة وأصحابه : إنه إشارة إلى التمتع وما ترتب عليه لأنه ليس البعض أولى من البعض فيعود إلى كل ما تقدم فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام . وقال الشافعي : بل عودة إلى الأقرب أولى وهو الحكم بوجوب الهدي على المتمتع . وأيضا قوله فَمَنْ تَمَتَّعَ عام يشمل الحرمي والميقاتي والآفاقي . وأيضا إنه تعالى شرع القرآن والمتعة إبانة لنسخ ما كان عليه أهل الجاهلية في تحريمهم العمرة في أشهر الحج ، والنسخ يثبت في حق الناس كافة . ويتفرع على مذهب أبي حنيفة أن من تمتع أو قرن من حاضري المسجد الحرام كان عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه . وعلى مذهب الشافعي أن يصح تمتعهم وقرانهم ولا يجب عليهم شيء ، فإن لزوم الهدي على الآفاقي بسبب أنه أحرم من الميقات عن العمرة ثم أحرم عن الحج لا من الميقات فيلزمه جبر الخلل بدم . والمكي لا يجب عليه أن يحرم من الميقات فلا خلل في حجة تمتع أو قرن أو أفرد ، فلا يلزمه الهدي ولا بد له . ثم اختلفوا في حاضري المسجد الحرام فعن مالك أنهم أهل مكة وأهل ذي طوى . وعن طاوس هم أهل الحرم . وعن الشافعي هم الذين يكونون على أقل من مسافة القصر من مكة ، فإن

--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الصوم باب 2 . مسلم في كتاب الصيام حديث 164 النسائي في كتاب الصيام باب 41 . ابن ماجة في كتاب الأدب باب 58 . الموطأ في كتاب الصيام حديث 58 . أحمد في مسنده ( 1 / 446 ) ( 2 / 232 ) .